فصل: مطلب في أحوال أهل الكتاب، والمحو والإثبات ونقص الأرض وحكم اللّه تعالى: {وَكَذلِكَ} مثل ما أنزلنا على الأنبياء السّابقين كتبا بلغتهم ولغة أقوامهم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأخرج الترمذي وأبو داود عن عبد الرّحمن بن عوف قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول قال اللّه تبارك وتعالى أنا الرّحمن خلقت الرحم وشفقت لها اسما من اسمي يريد جل جلاله الرّحمن الرّحيم فمن وصلك وصلته ومن قطعك قطعته أو قال بتّته البتّ أقصى غاية القطع والقطع الذي لا وصل بعده وروى البخاري عن أبي هريرة أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال من سره أن بسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه.
ورويا عن جبير بن مطعم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لا يدخل الجنّة قاطع رحم.
ورويا عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول ليس الواصل بالمكافئ أي المقابل يعني إذا زاره رحمه كافأه بزيارته ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم: «الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها» يريد عليه الصّلاة والسّلام أنه يزور رحمه وإن لم يزره هو لأن المقابلة بالزيارة مكافأة، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ» أي لا يبعد هذا صلة كاملة وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرّحم محبة في الأهل ومثراة في المال ومنسأة في الأجل.
وروى البغوي بسنده عن عاقبة بن عامر قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «إن مثل الذي يعمل السّيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل اخرى حتى خرج إلى الأرض».
وفي هذا الباب أحاديث كثيرة بضيق النّطاق عن ذكرها هنا، ويكفي أن اللّه تعالى يظن واصل رحمه بظله المبين فيما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: «إن في الجنّة شجرة يسير الرّاكب في ظلها مئة عام لا يقطعها».
ومثله عن أبي سعيد الخدري بزيادة: «الجواد المضمر السّريع».
ومثله عن أبي هريرة وذكر فيه «سنة» بدل «عام» واقرءوا إن شئتم: {وظل ممدود} الآية 31 في سورة الواقعة راجع هذه الآية في معناه وأما ما يتعلق بنقض العهد وإبرامه، فراجع فيه الآية 34 من سورة الإسراء والآية 42 من سورة النّحل قال تعالى: {كَذلِكَ} مثل ما أرسلنا قبلك يا محمد رسلا إلى الأمم الماضية لأجل إرشادهم وتعليمهم أوامرنا ونواهينا وتفهيمهم قدرتنا: {أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ} كما تلت أولئك الرّسل الأقدمون على أقوامهم ما أوحيناه إليهم فيما لهم وعليهم: {وَهُمْ} والحال أنهم الكافرون المذكورون: {يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ} الإله البالغ الرّحمة المنتهى الرّأفة الذي من رحمته ورأفته أرسلك إليهم.
وضمير يكفرون يعود إلى القائلين: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} الآية 27 المارة وما قيل أن هذه الآية نزلت في أبي جهل إذ قال إن محمدا يدعو بالحجر إلهين اللّه والرّحمن المراد بالحجر هنا حجر إسماعيل عليه السّلام المقابل للبيت من جهة الميزاب أو أنها نزلت في سهيل بن عمرو حين كتابة معاهدة الحديبية.
حينما قال له حضرة الرّسول اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فقال سهيل لا نعرف الرّحمن الرّحيم، لا نعرف إلّا رحمن اليمامة، فهما قيلان لا مستند لهما لأن أبا جهل قتل في حادثة بدر قبل نزول هذه الآية بخمس سنين، وهذه السّورة كلها مدنية، ولم يستثن منها أحد هذه الآية ولا غيرها على القول الصّحيح، ولأن سهيل بن عمرو لم يأت المدينة ولم يقل أحد بأن هذه الآية نزلت عند حادثة الحديبية التي وقعت قبل نزولها بأكثر من سنة: {قُلْ} يا سيد الرّسل أن الرّحمن: {هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ} [30] أصلها متابي حذف الياء منها للتخفيف أي مرجعي إليه، لأن تاب بمعنى رجع قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ} فصارت تمرّ مرّ السّحاب: {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ} فتفجرت عيونا منهمرة بالماء: {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى} فأحياهم ونطقوا بما رأوا، كما رفع الطّور لموسى، ومثل ضربه الحجر فتفجر بالماء، وما وقع لعيسى من احياء الموتى وكلامهم، لكان هذا القرآن جديرا بذلك وقمينا به، لأنه على جانب كبير من الإعجاز، وغاية بالغة من التذكير، ونهاية عالية بالتخويف.
وليعلم أن ليس لهؤلاء الخوض بالاقتراح: {بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا} إن شاء أظهر على يد رسوله ما اقترحوه، وإن شاء لم يظهر بحسب ما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة وهذه الآية الباهرة متعلقة بقوله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ} المارة.
وما قيل أنها نزلت في كفار مكة كأبي جهل وأضرابه حين قالوا لحضرة الرّسول إن سرك أن نتبعك فسيّر جبال مكة إلخ لا يصح لما تقدم من التعليل، ولأن هذا مرّ القول فيه في الآية 93 من الإسراء والآية 7 من الفرقان فراجعه إن شئت.
قال تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} أي أفلم يعلم وعليه قوله:
أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ** ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم

أي ألم يعلموا وقول الآخر:
ألم ييأس الأقوام اني أنا ابنه ** وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا

أي ألم يعلم.
{أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} ولكنهم علموا باعلام اللّه إياهم أنه لم يشأ لذلك فهم آيسون من هداية كلّ النّاس ومقطوع أملهم من ذلك: {وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ} هذه الدّاهية: {قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ} فتقرع قلوبهم وتفطرها ولا يزالون فزعين من تأثيرها: {حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ} بنصرك عليهم أو إهلاكهم أو ايمانهم: {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ} [31] الذي وعدك به يا سيد الرّسل من ظفرك بهم فلا يهولنّك تكذيبهم لك وسخريتهم بك: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} من قبل قومهم كما استهزأ بك قومك الكفرة: {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} بإطالة المدة وزيادة النعم حتى ظنوا أنهم على خير: {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} على غرة وغفلة بعذاب عظيم إذ لم ينتفعوا بالإمهال وعاقبتهم: {فَكَيْفَ كانَ عِقابِ 32} لو رأيته أيها الإنسان لهالك أمره وأهابت بك فظاعته.
واعلم أن المراد بالّذين آمنوا الواردة في منتصف الآية 31 السّالفة الرّسل وأتباعهم الّذين يحرصون على إيمان النّاس ويريدون أن يكونوا كلهم مؤمنين، وعلى هذا يجوز أن يكون فعل ييأس على ظاهره دون حاجة لتأويله بيعلم، وعلى هذا يكون المعنى ألم ييأسوا من هداية كل النّاس وقد قدمنا لهم عدم إمكانه وفقا لما هو ثابت في علمنا ومقدر بأزلنا راجع الآية 120 من سورة هود.
فيا سيد الرّسل قل لهم على طريق الاستفهام: {أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ} مثل هذا الإله العظيم كمن هو عاجز عن حفظ نفسه مثل الأوثان؟ كلا، ليسوا سواء، ولكن هؤلاء الكفرة سوّوا بينهم: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ} من تلقاء أنفسهم تقليدا لما ابتدعه أسلافهم: {قُلْ} لهم يا سيد الرّسل: {سَمُّوهُمْ} من هم ونبؤوني بأسمائهم إن كنتم ثابتين على قولكم: {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ} جل جلاله: {بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ} وهو عالم بما فيها وبما في السّماوات وليس فيها شركاء له: {أَمْ} تتمسكون: {بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} الذي تلقيتموه عن أسلافكم بأن للّه شريكا دون دليل أو حجة أو برهان، كلا لا هذا ولا ذاك: {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} في المسلمين وكيدهم لهم بما ألقى الشّيطان في قلوبهم من وساوسه ودسائسه: {وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} الموصلة للرشد فضلوا عن الهدى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ} [33] يهديه البتة والّذين هذه صفتهم وماتوا عليها: {لَهُمْ عَذابٌ} شديد لا تطيقه قواهم،: {فِي الْحَياةِ الدُّنْيا}
قتلا وأسرا وجلاء وذلة ومهانة: {وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ} المخبوء لهم يا سيد رسلنا وأكمل خلقنا: {أَشَقُّ} وأعظم من ذلك حيث لا يكون لهم فيها من يقيهم منه أو يشاركهم به فيخفف عليهم: {وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ} في الآخرة حين يحل بهم عذابها: {مِنْ واقٍ} [34] يقيهم منه أبدا، قال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} المعاصي والآثام، القائمون بالأوامر والأحكام، المتنعون عن النّواهي والإجرام، كمثل جنة عظيمة: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} وميزتها عن جنّات الدّنيا أيها العاقل كثيرة، ولكن اللّه تعالى ذكر منها خصلتين عظيمتين وهما: {أُكُلُها دائِمٌ} لا ينقطع على الأبد: {وَظِلُّها} دائم أيضا وحذف لفظ دائم هنا اكتفاء بذكره قبل، راجع الآية 84 من سورة النّساء، وذلك أنه لا ليل فيها ولا نهار، وفي هذه الآية ردّ على جهم وأضرابه القائلين بفناء نعيم الجنّة، لأن اللّه يقول دائم ما فيها، فلأن تكون هي دائمة من باب أولى، إذ لا يعقل أن يكون نعيمها دائما وهي فانية، تدبر: {تِلْكَ} الجنّة الدّائم نعيمها أيها الإنسان هي: {عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا} ربهم في الدّنيا فكافأهم بها بآخرتهم لقاء إيمانهم به وبرسوله وكتابه بأن جعل مثواهم في هذه الجنّة و: {عُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ} [35] وبئس العاقبة هي أجارنا اللّه منها.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ} أي من أسلم منهم، فإنه يسرّ بالأحكام لمنزلة عليك يا حبيبي الدالة على التوحيد والنّبوة والمعاد لأنها مؤيدة لما في كتبهم، قالوا كانوا ثمانين رجلا أربعون من نصارى نجران الوفد الذي أشرنا إليه أول سورة آل عمران، إلى بضع وثمانين آية منها، وثلاثون من الحبشة أصحاب النّجاشي، وعشرة من اليهود عبد اللّه بن سلام وأصحابه، وفرحهم من جهتين: الأولى أنه منزل من الحق على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلم، والثانية تأييد دعواهم للإسلام وإخفاق دعوى من لم يسلم وإذلاله.
{وَمِنَ الْأَحْزابِ} الّذين تحزبوا على الرّسل قبلك والّذين تحزبوا عليك في حادثة الخندق المارة في الآية 9 من سورة الأحزاب: {مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} لأن اليهود الّذين تحزبوا مع قريش وغطفان وغيرهم على حرب حضرة الرّسول وأصحابه لا ينكرون كلّ القرآن بل يعترفون بما فيه من المعاد والتوحيد والنّبوة، وقصص بني إسرائيل، وأخبار الأمم المتقدمة لأنها موجودة في التوراة: {قُلْ} يا سيد الرسل للناس كافة يهودهم ونصاراهم عجمهم وعربهم وأعرابهم وبربرهم: {إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ} وحده وأخلص له عبادتي: {وَلا أُشْرِكَ بِهِ} أحدا ولا شيئا: {إِلَيْهِ} وحده جل جلاله: {أَدْعُوا} الناس إلى دينه القويم ليعملوا به ويخلصوا العبادة للّه لا إلى الأصنام ولا للملائكة وعزير والمسيح ولا لغيرهم أبدا بل أحصر دعوتي لحضرته خاصة: {وَإِلَيْهِ مَآبِ} [36] مرجعي ومثواي، وقد حذف الياء تخفيفا.

.مطلب في أحوال أهل الكتاب، والمحو والإثبات ونقص الأرض وحكم اللّه تعالى: {وَكَذلِكَ} مثل ما أنزلنا على الأنبياء السّابقين كتبا بلغتهم ولغة أقوامهم:

{أَنْزَلْناهُ} أي القرآن المنوه به في الآية 31 المارة وجعلناه: {حُكْمًا عَرَبِيًّا} بلغتك ولغة قومك راجع الآية 5 من سورة إبراهيم: {وَ} عزتي وجلالي يا أكمل الرّسل: {لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} فيه فاعلم أنه: {ما لَكَ مِنَ اللَّهِ} ربك الذي شرفك على الكل وجعل أمتك خير الأمم: {مِنْ وَلِيٍّ} يواليك وينصرك: {وَلا واقٍ 37} يقيك من العذاب البتة، وهذا تهديد شديد عظيم في هذا الخطاب، ولكنه على حد القول إياك أعني واسمعي يا جاره وقد أسهبنا البحث فيه في الآيات الأخيرة من سورة القصص، وفي الآية 66 من سورة الزمر، فراجعهما وما تشير إليهما من المواقع، أي من يتبع أهواء الكفرة ويوافقهم على آرائهم فيما يتعلق بأمر الدّين، فليس له ناصر ينصره من عذاب اللّه ولا واق يقيه منه.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً} مثلك فلم لم تعترض عليهم أمهم؟ وهذه الآية بمعرض الرّدّ على اليهود والنّصارى القائلين إن هذا الرّسول لا همّ له إلّا النّساء، ولو كان رسولا لزهد فيهنّ، قاتلهم اللّه ألم يعلموا أن سليمان وداود ومن تقدمهم كانوا أكثر النّاس نساء من محمد، ولم يقدح ذلك بنبوّتهم، وكذلك قولهم لو كان نبيا لأتى بآية، مردود عليهم بقوله جل قوله: {وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} وبالوقت الذي يريده إذ: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ} [38] يبين فيه زمان ومكان وقوعه والسّبب المبتنى عليه والفائدة التي تنشا عنه، وهذه بمعرض استبطائهم ما خوفهم به حضرة الرّسول من نزول العذاب لأنه لا شك نازل بهم ولكن لم يحن أجله بعد وهو قريب منهم، قال تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ} من مقدراته التي أظهرها لملائكته وكلمة يمحو كررت في الآية 12 من الإسراء وفي الآية 24 من الشّورى فقط: {وَيُثْبِتُ} منها ما يشاء فينفذه: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ} [39] الذي فيه كل شيء مما كان ويكون في الدّنيا والآخرة فلا يقع شيء فيهما إلّا وهو مدون فيه وقد أشرنا إلى ما يتعلق في هذا البحث في الآية 4 من سورة الأنعام، والمعنى أن اللّه تعالى قد يهيئ للكافر الإسلام فيمحو كفره ويثبت إسلامه فيما يبدو للناس وهكذا ينقلب من الشّقاء للسعادة كما يقلب بعض عباده من الفقر إلى الغنى ومن السقم للصحة ومن الذل للعز وبالعكس مما أظهره اللّه لملائكة وعلقه على أشياء قد يفعلها العبد بمقتضى حكمته فتبدل حاله من شيء إلى أحسن وبالعكس، ومن هذا القبيل زيادة العمر ونقصه فعلا أو بما يبارك له ويوفقه لدوام الطّاعة وتمادي العافية كما ينقصه معنى أضداد هذه، راجع الآية الثانية من سورة الأنفال المارة وما ترشدك إليه من المواضع، وهناك أحكام مبرمة مدونة في لوحه أيضا لا يعتريها التبديل والتغيير أبدا مهما فعل أهلها.
قال تعالى: {وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ} يا خاتم الرّسل: {بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} من العذاب: {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبله فنريكه بالآخرة بأن نمثل لك وقوعه فيهم كما كان في الدّنيا فضلا عن عذاب الآخرة، راجع الآية 30 من آل عمران المارة وما ترشدك إليه، فلا يهمنك شأن من لم يؤمن: {فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ} هم والمداومة عليه فقط، وعليهم أن يؤمنوا ويقبلوا إرشادك ونصحك، وإن لم يقبلوا فعليهم الوبال: {وَعَلَيْنَا الْحِسابُ} 40 والجزاء لمن أعرض عن بلاغك، ولا تتعجل نزول العذاب بهم يا محمد فإن له أجلا لا يتعداه ولا يتقدم عليه بمقتضى الكتاب المشار إليه آنفا.
ونظير هذه الآية الآية 78 من سورة المؤمن والآية 46 من سورة يونس والآيتين 63 و64 من سورة المؤمنين فقط لا يوجد غيرها في القرآن كله واللّه أعلم.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا} هؤلاء: {أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ} المقيم بها الكفرة: {نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها} بالاستيلاء عليها وإجلاء أهلها منها وإسكان المؤمنين فيها كما وقع في بني النّضير وقريظة وخيبر وغيرهم.
وتشير هذه الآية إلى استيلاء المؤمنين على كثير من أراضي الكفار بالنصر عليهم والظّفر بهم وطردهم عنها، وترمي لمغزى آخر وهو نقص الأرض من طرق قطيها وهو كذلك، ومما لا يعرفه أحد عند نزول القرآن فهو من معجزاته وإخباره بالغيب، وقدمنا ما يتعلق بهذا في الآية 44 من سورة الأنبياء فراجعها.
وقال بعض المفسرين إن نقص الأرض يكون بموت العلماء وهو كما ترى، وكأنه أخذ من الخبر القائل إن موت العالم يحدث ثلمة في الإسلام، ويؤيد ما جربنا عليه ختم آية الأنبياء بقوله جل قوله: {أَفَهُمُ الْغالِبُونَ} لأن الغالبية قد تكون بالفتوحات.
وختم هذه الآية بقوله: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ} [41] بما يدل على الغالبية أيضا وتفيد هذه الجملة أن أحكام أهل الدّنيا معرضة للإبطال بالاعتراض عليها والاستئناف والتمييز والتصحيح والعفو عنها بخلاف أحكام اللّه فإنها قطعية لا مردّ لها، وإن حسابه على الأعمال بأقل من طرفة عين بخلاف حسابنا لأنه قد يحتاج إلى سنين.
قال تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} بأنبيائهم كما مكر قومك بك، ولكن مكرهم ليس بشيء ولا قيمة له إذ ليس لهم من أمره شيء: {فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} لأنه هو الذي خلقه في العباد وهو القادر على نزعه منهم لأنه: {يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} من خير أو شر في السّر والجهر: {وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} المحمودة إذا بعثوا من قبورهم، لأنهم الآن غافلون عنها لا يعرفونها ولا يعتقدون بصحتها: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا} فيا سيد الرّسل: {قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} على رسالتي إليكم وإلى من في الأرض أجمع: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ} [43] يعلم ذلك أيضا، لأن الكتب المنزلة عليهم تشهد برسالته لكل من عنده علم بها ولا يكتم علمه، يشهد بأن محمدا رسول اللّه.
ومن قرأ عنده بالجر باعتبار من حرف جر أعاد الضّمير في عنده إلى اللّه تعالى، ويكون المراد بالكتاب اللّوح المحفوظ، وما جرينا عليه أولى وأنسب بالمقام.
ولا يوجد سورة مختومة بما ختمت به هذه السّورة ولا بما بدئت به.
واللّه أعلم، وأستغفر اللّه، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. اهـ.